الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

164

شرح ديوان ابن الفارض

فمن تمسك به وسار على طريقة ما فيه وصل إلى اللّه تعالى ومن تركه وعدل عن العمل بمقتضاه انقطع به ولم يتصل به الحبل . وقوله عسى عطفة منكم علي بنظرة ، الخطاب للحضرات الإلهية الظاهرة بالآثار الكونية . المعنى أنه يترجى من أحبته أن يحنوا عليه ويعطفوا بنظرة منهم إليه ، وهي نظرة الاعتناء بشأنه والإصلاح لظاهره وباطنه . وقوله فقد تعبت بيني وبينكم الرسل وهم الأنبياء المرسلون من اللّه تعالى إلى الخلق لإصلاحهم على طبق شريعة اللّه تعالى التي حكم بها على كل أمة من الأمم بحسب ما يناسبهم في الإصلاح . والمعنى أن النفوس الأمارة بالسوء من الأمم أتعبت الرسل عليهم السلام في إصلاحها وإيصال التوحيد إليها حتى أمرهم اللّه تعالى أن يقنعوا منهم بإصلاح ظواهرهم ، وهو سبحانه يتولى بواطنهم . وقوله أحباي ، منادى حذف منه حرف النداء وهم أحبته المذكورون في البيت السابق . وقوله أنتم مبتدأ خبره محذوف تقديره موجودون بتحقيق الوجود لكم ، ويجوز أن يكون أحباي مبتدأ ، وأنتم خبره . يعني أنتم أحباي على كل حال لا أتحول عن محبتكم أبدا . وقوله أحسن الدهر أم أسا ، أي سواء كان الدهر محسنا أو مسيئا . والدهر من جملة الأسماء قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر » . وإنما عدل الناظم عن صريح اسم اللّه تعالى أدبا أن تنسب الإساءة إليه سبحانه جريا على عادة العرب في نسبة الأمور إلى أسبابها الظاهرة . وقوله فكونوا ، أي ابقوا ودوموا . وقوله كما شئتم ، أي على الوصف الذي أنتم فيه بمقتضى مشيئتكم القديمة الأزلية . وقوله أنا ذلك الخل ، أي المعهود الذي لا محبة كمحبتي ، لأن محبته محبة محمدية موروثة موجبة للشكر في السراء ، والصبر في الضراء ، وهي المحبة الذاتية الظاهرة بالتجليات الباهرة . اه . إذا كان حظّي الهجر منكم ولم يكن بعاد فذاك الهجر عندي هو الوصل [ الإعراب والمعنى ] الأولى في البيت أن يقرأ « الهجر » بالرفع على أنه اسم كان وهو بفتح الهاء بمعنى الترك . و « حظي » خبرها . وحاصل البيت أن الصد مع القرب خير من البعاد . وقد وقع هذا في كلامهم كثيرا . قال الأول على أن قرب الدار خير من البعد . وقال شرف الدين بن عنين : عبء الصدود أخف من عبء النوى * لو كان لي في الحب أن أتخيرا وقال ابن الخياط الدمشقي : يا عمرو أي خطير خطب لم يكن * خطب الفراق أشدّ منه وأوبقا كلني إلى عنف الصدود فربما * كان الصدود من النوى بي أرفقا